الأربعاء، ٢٤ مايو ٢٠٠٦

لطائف الأمثال


أقوم ببحث في الأمثال العامية المصرية منذ ثلاث سنوات طلب سرعة ظهور د/ أحمد الحسيني في كتاب مؤتمر أبداء إقليم شرق الدلتا الثقافي " نص الهوية " قرأت فيه ما يقرب عن عشرة آلاف مثل مستعيناً بمن سبقوني في جمع وتصنيف هذة الأمثال انتخبت منهالطائف ثلاثة آلاف مثل فيه جزء للأمثال التي وردت علي لسان الحيوان وبه حوالي عشرون قصة طريفة لأمثال الحيوانات وأشعر بعدم الرضي عما توصلت إليه ونشرت قصة واحدة منها علي منتدي دوارالعمدة وأزاهير وأسمار لاقت القبول والإستحسان و أود طرح مقدمته لأخذ الرأي والمشورة إن كان هناك مجال في طبعها ونشرها بمعرفة ملتقي أبناء الواحة
تقديم
عندما تتاح الفرصة لدراسة وتقديم ما هو طريف من الأمثال العامية وهي فن شفهي من التراث الشعبي ذلك التراث الذي صنعته الأجيال من خلال تجاربها في الحياة وممارستها للواقع العملي والراسخ في الوجدان العقلي لهذه الأجيال ، وبالتالي اكتسب أصالته, فالمثل في حد ذاته له تأثيره القوي في نفس المستمع , يولد فيها حكاية والحكاية تولد مثلاً إلي درجة تجعلنا نتساءل أيهم أسبق المثل أم الحكاية
والتراث الشعبي لا يدرس لمجرد التماس الأساليب الجديدة للتعبير عن المواضيع ، إنما يدرس للكشف عن الواقع النفسي للأمة وما فيه من رواسب الماضي، ومهمة الباحث إيراد المثل وشرح معناه وسماته من طرافة وإيجاز وتركيز مع تقديم بعض التجارب بشخوصها والتي كانت قصتها سبب ضرب المثل فهو ليس بجديد ولكنه قديم أعيد روايته في ثوب وصياغة جديدة ،
ما هو الغرض من ضرب المثل 0؟
الغرض من ضرب المثل هو التذكير عن طريق التشبيه في
الشكل والمعني لحالة حاضرة تعيد للذهن بنتيجة تجربة سابقة تماثلها , حدثت في الماضي وأصدر المجتمع فيها حكماً من بين حيثياته مفارقات ومتناقضات الحياة وعند تطبيقه في الحياة العملية ثبت صحته فلا داعي للمتلقي أن يخوض التجربة مرة ثانية و ضارب المثل يحث المتلقي علي البحث عن الأسباب والمسببات لتلك المفارقات لتفاديها, وعندما يعجز الإنسان عن الاهتداء إليها تظل الحالة في محك التجربة وتفتح الباب لإبداعات جديدة
وبيئة الأمثال هي القرى والنجوع والكفور والعزب في الريف والبوادي وبين الطبقات الشعبية في أحياء المدن العشوائية ، تعيش الأمثال بين الأميين أكثر منها بين المثقفين ، لأن الأمي أكثر ارتباطاً بالجماعة العامية واحترامه للقيم والمعتقدات السائدة أشد وأقوى ، نظراً لأن الأمثال بالنسبة له تمثل دستور حياته والقانون الذي يحكم تعاملاته بين أفراد هذه الجماعة
وكل مثل يعد نقداً لتجربة إنسانية بعينها بين متناقضات الحياة , ليس بغرض الوصول إلي حياة مثالية ولكن تقضي بعبثية تلك الحياة , فمن أول التجارب الإنسانية المؤلمة قتل قابيل أخيه هابيل وتلقي الدرس من غراب , علمه كيف يدفن أخيه ويواري سوءته التراب , فارتبط الحيوان بالإنسان منذ بدء الخليقة لذلك نجد أنواع كثيرة من تلك الحيوانات تجري علي لسانها الأمثال بالإضافة إلي نتائج التجارب الإنسانية التي تمثل كتلة كبيرة من الفكر الإنساني , رصدتها الشعوب متفرقة ومتباعدة لظواهر الحياة التي مرت بها الأجيال , والهدف الأول من هذه الأمثال هو إبراز مفارقات الحياة
00
والأمثال يستخدمها الناس من قديم الزمن في حياتهم العامة يستدعونها من الذاكرة كلما قابلتهم حالة مشابهة للتجربة التي قيل فيها المثل , ورد منها الكثير في كل الكتب السماوية التوراة والزبور و الإنجيل والقرآن , ضرب لنا الله منها الكثير بدأ من البعوض والذباب والعنكبوت والنمل وسوس الخشب { القَردَةَ} وهدهد سليمان وحمار العزير وكلب أهل الكهف والقرود والخنازير والأسد والفيل والخيل والبغال والحمير والإبل وناقة صالح وبقرة بني إسرائيل وعجل السامري وبعل أهل غزة والماعز والضأن وما حمله نوح عليه السلام في سفينته قبل الطوفان إلي أخره من تلك الحيوانات , بل القرآن الكريم هو منزل من رب العزة يحتوي سور بأسماء الحيوانات , البقرة والعنكبوت والنمل وعندما نقارن بين شيئين نستخدم أداة تشبيه { مثل الذين حمُلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارُا00 سورة البقرة الآية ( ) }
ولله المثل الأعلى فمن رحمته بنا أن قال تعالي { ليس كمثله شيء 00 } ولكنه رأف بخلقه فضرب لهم مثلاً بصفة من صفاته كي يحيط عقل الإنسان المحدود بعجزه عن تصور ذات الله , وليقرب الله للناس قدراً من المعرفة إذ شرح للناس تلك الصفة بشيء يدركونه ويهتدون به في ظلام الليل فقال جل شأنه:
{ مثل نوره كمشكاة 00}سورة الآية( )
{ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها 00 } سورة البقرة الآية ( ) وضرب الله الأمثال في المؤمن والكافر
واليهود والنصارى وكثير من خلقه , وأمر نبيه بضرب الأمثال
للناس , وضربها كهنة المعابد المصرية في تعليم العامة كيفية عبادة الآلة
المغرور كديك يظن أن الشمس لا تشرق إلا إذا صاح
إذا ارتدي الحمار قناع رأس الأسد بفضحه نهيقه
إذا رأيت أسنان التمساح فلا تظن أنه يبتسم لك
يقول الأستاذ / كمال محرم في كتابه" الحكم والأمثال والنصائح عند المصرين القدماء " أن اليهود سطوا علي أمثالنا الفرعونية ثم حرَّفوها ودونوها في سفر الأمثال بكتابهم العهد القديم وهي منقولة من حِكمْ الحكيم المصري " أمنوبي " وأفر هذا الرأي شيخ المؤرخين الأمريكي " برستد "
الذي بين أن فصل ونصف الفصل من سفر الأمثال قد أخذ من حِكمْ " أمنوبي " إذ تبدأ حِكمَهُ
: { أملء أذنيك لتسمع أقوالي , وأعكف قلبك علي فهمها , لأنه شيء مفيد إذا وضعتها في قلبك }
ويبدأ السفر العبري : { أملء أذنك واسمع كلام الحكماء ووجه قلبك إلي معرفتي , لأنه حسن إن حفظتها في قلبك } سفر الأمثال 22 ـ 17, 18
والعرب في الجاهلية قد ملكوا ناصية اللغة وأبدعوا في فن الكلام شعراً ونثراً ، فاستخدموا الأمثال في قصائدهم التي كتبوها بماء الذهب وعلقوها علي الكعبة فكانت الأمثال باباً من أبواب الأدب العربي العريقة كقولهم " عند جهينة الخبر اليقين " و " ماء وراءك يا عصام " وعندما مدح أبو تمام أحد الخلفاء قائلاً يعد صفاته
إقدام عمرو في سماحة حاتم 00في حلم أحنف قي ذكاء إياس
عارضه الشاعر يعقوب بن إسحاق الكندي بأن الخليفة أكبر من هذا فقال أبو تمام علي الفور
لا تنكروا ضربي له من دونه 00 مثلاً شروداً في الندي والباس
فالله ُقد ضرب الأقل لنوره 00 مثلاً من المشكاة والنبراس
وأورد الميداني في مجمع الأمثال , أن امرأة تزوجت ثلاث أزواج لم تشعر معهم بالسعادة فنعت بختها قائلة :
" كُسير وعُوير وثالثهم ليس فيه خير "
كُسير تصغير كلمة كسر أي الأعرج وكلمة عُوير هي تصغير كلمة عور وتعني الأعور
وهناك فرق بين الحكمة و المثل , فالمثل ناتج عن تجربة نقدية أصدر المجتمع فيها حكماً صيغ بعبارة موجزة بلهجة ولسان المجتمع التي تسري فيه وهذه التجربة حدثت لأعيان بعينها في زمن ما , استخلص منها المجتمع العظة والعبرة وثبت صحتها , فصار النتيجة حكماً وعته الذاكرة الإنسانية تستدعيه كلما تعرض المجتمع لحالة مشابهة وهذا الحكم لا يكون حكما ًإلا بعد أن تسبقه قضية تعرض علي قاضي ينظر فيها ويصدر حكمه بين أعيانها , تلك القضية لها مقدمات وتحيطها ظروف و ملابسات نتج عنها متحدة نتيجة ما قد لا تكون علي مرتبة واحدة , بل قد تختلف صور هذه النتيجة كما قد تختلف مراتبها , والقاضي أو الحاكم في هذه القضية يعوزه جهد كبير وتحرّ شامل كما يعوزه رأي ثاقب وبصيرة نافذة وخبرة واسعة قبل أن يصدر حكمه الذي يحتاج إلي قاضي محنَّك , يكتب هذا الحكم بإيجاز يختار من الكلمات أدلها ومن الألفاظ أنفذها ومن العبارات أجزلها ليجعل من حكمه آية مبني ومعني قابل للتطبيق بين الناس في حياتهم العامة
أما الحكمة فهي نتيجة لقضية ذهنية غير ملموسة يتأمل عناصرها شيخ ورع أو فيلسوف أو عالم بقلبه وعقله , فهي إذن تجربة حسية شخصية تدرجها الحواس ويحيط بعناصرها العقل وتسيطر علي الوجدان الذي يعيد تفكيك عناصرها ويعيد تشكيلها ويستنبط منها الحكمة التي تصاغ بلغة الخاصة , فهي ضالة المؤمن بخلاف المثل الذي يصاغ بلغة العامة لكونه نتيجة لتجارب عامة يمكن تطبيقها علي حالات مستقبلية مشابهه وغالباً ما يتكون المثل من جملتين رئيستين علي الأقل أو من جملة رئيسة وأخري فرعية مصاغة بكثافة لغوية ذات تركيز فائق ، تستخدم فيه أدوات الإضافة وأدوات العطف ، ليس بغرض إحداث تراكمات في الأحداث يل بغرض إظهار مفارقات الحياة وكأن الأمثال الشعبية تطرح سؤال 00 لماذا تكون الحياة علي هذا النحو من المتناقضات
وهي من التراث الشعبي الشفهي يدور علي ألسنة الناس العامة والخاصة يخرج تلقائياً من الذاكرة لسهولة حفظه لخصائصه من تركيز في الموضوع والإيجاز في اللفظ , و لكون المثل نتيجة لتجربة بين أعيان عايشت التجربة ***فخلصت بتلك النتيجة في صور حكم ثبت صحته بعد تطبيقات واقعية في الحياة فتشكلت صيغته وأهملت شخوص التجربة وبقيت النتيجة نتذكرها كلما قابلنا حالة مشابهة لها , وصياغة المثل الشعبي أو العامي ذات طابع تعليمي , ففي أسلوبه تركيز وإيجاز لإظهار ما انطوى بداخله من أسرار نفسية ولمسات عاطفية ونظرة فلسفية لكافة جوانبه الاجتماعية , ولكي يجري المثل علي ألسنة الناس جيلاً بعد جيل يجب أن تتوفر فيه الخبرة والوعي والصدق وحسن الداء , والمثل العامي
يحتوي علي طرفة وموسيقي لفظية تنبع من لفظه العامي في بيئته التي يضرب فيها فإذا دون بلغة عربية فصحي أو فصيحة فقد طرفته واختل إيقاعه الموسيقي
ويتكون المثل من جملتين رئيستين علي الأقل أو عدة جمل رئيسية وأخري فرعية يستخدم فيها أدوات إضافة , ليسب بغرض إحداث التراكمات ولكن الإضافة بغرض إبراز مفارقات الحياة وهو الهدف الأول من ضرب المثل
وفي الأمثال العامية تستبدل أداة التشبيه هذه بكلمة عامية
{ زىْ} خيال المآتة لا بهش ولا بنش
يقول الدكتور طه حسين " إن كل أديب لا يستقي مادته وروحه من حياة الشعب فليس أديباً ولا هو بكاتب للأدب وعلي ذلك فلا بد من أن نعرف ماذا يقول الشعب وكيف يعيش الشعب وكيف يحكي حكاياته وأقاصيصه "
من اللطائف ما تقوله المرأة المتزوجة في بيت عيلة أثناء مخاض الولاد ة
من 2{ـ قالت وقلنا وقال }

:NJ:
قالت : لا اتجوِّزت ولا خلي بالي
ولا فضلت بنت علي حالي
دا الحما حمَّة
واخت الحوز
عقربة سامَّة
والراجل الكبير
مش وارد علي جنَّة
قال : إياك علي الطلق
اللِّي طيَّر أسراب الحمام
تجيبي يا شملولة غلام

تابوعنا في ملف الطائف الأمثال في عالم الحيوان


الباحث الشربيني خطاب

ليست هناك تعليقات: