الأربعاء، ٢٠ أغسطس ٢٠٠٨

حرية القراءة والتأويل

الأخوة والأخوات كتاب القصة وقرائها

نود أن نلقي الضوء عن فن كتابة القصة عموماً سواء كانت رواية أو قصة قصيرة أو قصيرة جدا أو أقصوصة أو ومضة000الخ
القصة في الأصل بنت الحكاية الشفهية ، والحكاية بنت الأسطورة ، تقص في المجتمعات براوي ، وحتى لو كانت الحدوتة واحدة إلا أنها تروي بأساليب مختلفة ، ومن المرجح بل الأكيد أن حكايات ألف ليلة وليلة هي التي أخذها الغرب وطورها إلي قصص تفتح كل قصة علي القصة التي تليها في تسلسل سردي مشوق ، وظهور القصة المكتوبة حديثة العهد لو قيست بالمسرحية والمسرح كما يطلق عليه أبو الفنون بدا قديماً من قبل العصر اليوناني والروماني إلا أن المسرحية هي الأخرى تصور لحظة زمنية لقطاع أو شريحة من مجتمع تنقلها علي خشبة المسرح بشخوصها وزمانها وديكورها والملابس التي كانوا يلبسونها في هذا المجتمع كما هي ، يصورها المؤلف ماساه أو ملهاه يكتبها المؤلف للمثلين فيتقمصوا شخصياتها ليراها الجمهور ويتفاعل مع انفعالاتهم الحقيقية وردود أفعالها وبالتالي يحتاج المسرح إلي عناصر من فنون أخري ـ ديكور 0 اكسسوار 00 إضاءة 00 موسيقي ـ لإبراز الصورة
وهذا الفن المسرحي نتاج منهج معرفي عقائدي ـ يهودي ، مسيحي ـ غربي وشرقي يؤمن بحتمية الصراع علي العكس من المنهج المعرفي الإسلامي الذي يؤمن بالوسطية ، لذلك قامت حركات الاقتباس بتعديل في الهدف لهذه المسرحيات المترجمة للقارئ المسلم
هذا بالنسبة للتأليف المسرحي وعندما وصلتنا القصة من الغرب والشرق مترجمة استفدنا من طريقة كتاباتها ومنهجية علمها النقدي وطوعناها لتلائم مجتمعنا الذي ننهل منه أفكار قصصنا فهي منه وإليه لأن القص في جوهره وجه نظر ذاتية أي فن شخصي وخاص لكنه في الوقت نفسه تعبير عن شعور إنساني عام ، ينقل إلي الوعي صور خيالية بالإيحاء السردي الذي يجعل كل متلقي يتخيل الصورة بمدركاته ، ووسيلة التوصيل للمتلقي هي اللغة ووحدة اللغة في أي مجتمع هي العامل الأساسي لتوصيل الأفكار التي تترك الأثر المنشود في المتلقي ومن المفارقة أن كل متلقي يتخيل صورة ربما تكون مختلفة عن الصورة التي تخيلها متلقي آخر لذات القصة ، وطالما أن الهدف من القص هو نقل تعبير أو إحساس إنساني من خلال حدث يوحي بفكرة للكاتب ، يجسدها في معادل موضوعي لإحساسه ، يتوقف نجاحه في توصيل هذا الإحساس للمتلقي علي أسلوبه الغير مباشر ، باستخدام أسلوب موحي وهذا ما نادي به كتاب الشرق والغرب الذين ينسب إليهم الفضل في تطوير فن القصة إلي أن ظهرت الصحافة ومتطلباتها في الإيجاز والتكثيف فبدأت القصة القصيرة والقصيرة جداً تبرز علي صفحات المطبوعات 000
والنص سواء كان شعراً أو نثراً ، رواية كانت أو قصة قصيرة أو أقصوصة أو مسرحية له شعاع جاذب يأتي المتلقي من النص ذاته ، يحاوره ويغازله في برجه العالي ويفرض عليه رؤية فضائه ، فإذا دخل المتلقي راضياً في مداره ومجال جاذبيته وقع في متاهاته واحتار بين دروبه وعليه إن أراد أن يسير في دهاليزه ومتاهاته ، أن يستنطقه --
واستنطاق النص هو محاولة مسائلته وافتراض الإجابة أي البحث في النص عما يمكن أن يقوله مما هو متاح علي سطحه ومما لا تعطيه أبنيته اللفظية للقراءة الأولي علي الرغم من وجوده ضمن جوهره المختفي وراء ظاهره
والمناهج النصية خففت من غلواء هيمنة المؤلف ، منها ما فصل قصديه المؤلف عن نصه وتركها للمتلقي والمتطرف من هذه المناهج نادي بموت المؤلف ـ أطال الله عمره ـ بمعني أن ما كتبه أصبح منفصلاً عن كاتبه وان حق تأويله ملك المتلقي ونقلت هذه المناهج مركزية القراءة إلي النصوص ذاتها وما يمكن أن يرشح منها معني أو دلالة ، فوسيلة الكاتب لتوصيل فكرته هي اللغة ، واللغة لها دلالتها نأخذ معناها من سياق السرد لا من الكلمات المنفردة ، إذا اللغة ليست هدفاً في حد ذاتها بل هي في الفن القصصي أداة توصيل ، لكن هذه المناهج الحديثة رغم ذلك لم تستطع أن تشرك القارئ في بناء النص ، فعلاقة المبدع والمتلقي مبينة علي الشراكة ، فالمبدع فنان يخلق مركب جديد من عناصر أصلية يتعرف عليه المتلقي دون عناء
يقول الناقد المعاصر س0 لويس : الأدب هو استخدام اللغة لخلق جسم محدد 000ويقول أليوت : البلاغة في أن يخلق الكاتب معادلاً موضعياً للإحساس الذي يرغب التعبير عنه
في العمل الفني لكي يحقق الأثر المطلوب في متلقيه ويري كليانث بروكس { أن الكاتب البليغ لا يفصح عن الإحساس بل يولده في عقل القارئ عن طريق المفارقة بين المواقف المختلفة التي يتضمنها العمل 00}
والقص الجيد هو الذي يعتمد كاتبه علي التعبير غير المباشر والاهتمام بالمعني الكلي للعمل الفني الذي يسعى أن يوصله للمتلقي ، عليه أن يلاحظ أن القصة لها كيان مستقل يعتمد علي تراكيبها وعلاقاتها المختلفة و نسيجها الكلي المتكون من عناصرها المتباينة كالصور والشخصيات والوصف والأوصاف والحوار والمواقف والحوادث والأفكار والروي 000 الخ وكلها عناصر وظيفية يتضامن بعضها مع البعض في التعبير عن الإحساس الذي يريد الكاتب أن ينقله إلي المتلقي ، ولا يمكن أن نعتبرها ـ عناصر القصة ـ منفردة أو مجتمعة أغراضاً يسعى إليها الكاتب في حد ذاتها، ولذلك لا يمكن أن نقيم عملاً أدبياً علي أساس أن اللغة التي يستخدمها الكاتب لغة رصينة أو الأفكار التي طرحها أفكاراً أصيلة أو الأوصاف بارعة أو الصور جميلة ، لأن اللغة مهما كانت رصينة فهي ليست هدفاً ينشد وكذالك المشاعر و الأفكار والصور ، فكلها وسائل أو رموز للتعبير عن الإحساس 000
ومقدمة القصة أو العرض هو تقديم قدر من المعلومات عن الشخص أو الحدث أو البطل أو الفكرة 00 الخ كي يساعد به القاص المتلقي علي تحريك خياله الأخلاقي ليتعاطف مع الأشخاص 0
والنمو هو نمو الحدث درامياً متصاعداً بفعل شخوص القصة إرادياً لخلق الأحداث بعيداً عن الصدفة والفجائية في تسلسل مشوق لجذب توقع القارئ عند تحريك تلك الأحداث فيحدث الصراع الدرامي بتباين ردود الأفعال الداخلية سواء للأشخاص الأبطال فيما بينها وبين ما يحدث من أحداث والمقصود بالدراما هو تفجير المواقف بالفعل ورد الفعل 00
ليست العناصر ـ العرض ـ النمو ـ الصراع ـ وحدها هي كل شيء في القصة بل تتوقف علي طريقة الكاتب في تناولها والتعامل معها يقول الجاحظ " الأفكار ملقاة علي قارعة الطريق تختلف طرق تناولها من شخص للآخر 00 "
فالكتابة القصصية لم تعد بغرض المتعة والتسلية وقتل وقت الفراغ و أنما توسعت وانتشرت وتطورت لدرس مظاهر الحياة و دراسة الظواهر الإنسانية وتحليلها ومناقشة كافة القضايا البشرية ودراسة خلجات النفس البشرية من الداخل وتحليل نوازع هذه النفس وانفعالاتها
وللحديث بقية

ليست هناك تعليقات: