الاثنين، ٢٢ يونيو ٢٠٠٩

سيقان القمح


تغرق قريتنا كل ليلة في ظلام دامس ، بين الحين والحين يعلو نباح الكلاب فيتواري عن انظارها المتسللين ، إلي أن تظهر نجمة الفجر فتصيح الديوك معلنة نوبة صحيان ،
يزحف سكان القرية إلي النهر قبل طلوع الشمس ، يزيلون آثار الليالي ويغسلون الأواني والملابس والهموم ، تمكث الديوك بالمنازل تحرس البيوت من علي مزابلها حتى يعود أصحاب الدور 00
تستيقظ "مسعدة " بكسل ، تضع فوق رأسها الأواني والآلام وتتوجه إلي الشط متأخرة عن رفاقها من النسوة ، لكنها تلحق بعض نسمات الصباح ، ما إن ترها النسوة حتى يخضن في سيرة زوجها الشيخ "حمدان " 00
نزلت إلي الموردة وتخيرت موضعاً منها منعزلاً ،تتقي ألسنتهن الحداد ، رفعت زيل جلبابها وتحزمت به حول وسطها ،ثم خاضت برجلها في الماء حتى منتصف الساق ، لم تلتفت إلي مداعبات هن الخليعة ، تأملت نقاء الماء وصفاء قلبه ، فداهمتها الذكريات ، تمثلت لها صوراً راقصة علي صفحة النهر ، تذكرت يوم أن جاء الشيخ " حمدان " يطلب يدها ، انتشي القلب فرحاً ، وزادت النبضات ، تلك حالة البنات عند الخطبة ، تسمع كلام أمها وهي لا تعي منه شيء
" عريس قيمة 00 شيخ كُتَّاب بعمة وكاكولا وحافظ الكتاب 00 عريس تتمناه كل البنات 00"
لم تفكر في كل تحذيرات الأهل والأصدقاء " بخيل 00 قاسي القلب وعنيد 00 ها يقيس عليك المية في الزير بالشبر "
كانت تأمل أن يتبدل حاله بعد الزواج ، لكن هيهات ، عضت شفتاها ندماً بعد أن خاب ظنها من أول ليلة ، التهم عشاء العرس وحده ، و ما تبقي سوف يحفظه باكر في قلعة طعامه 00، نهش جسدها كأسد كاسر ثم تركها تلعق جراحها وغط في نومه العميق 00
تذكرت " علقة الصباحية " عندما تناولت الطعام دون إذنه ، فقلعة الطعام محصنة ومفتاحها المعلق في رقبته لا يغادرها حتى عند الاستحمام ، تراقبه بحسرة من كوة بجدار القلعة وهو يلتهم الطعام وتناوله من خلالها أكواب الشاي ، فاض القلب بالجراح وامتلأ الجسد بالندوب الغائرة في الذاكرة 00
خرجت من صدرها زفرة ألم مملوءة بالبخار ، فقد هانت علي الناس وجعلها مضغة الأفواه ، سقطت دموعها الساخنة علي صفحة الذكريات فأحدثت دوائر متتابعة محت شريط الماضي ، عادت إلي نفسها يملأها شعور بالعزيمة والقوة ، انتوت أن تثأر لكرامتها ، توعدته في خيالها
: يا أنا يا أنت يا حمدان يا بن "عيوشة "
انتظرته كعادتها كل خميس ، تساعده في تخزين نفحات أهل الموتى , وترتب وتنظف له قلعة الطعام ، ما إن وضعت الخيرات في مستودع الطعام كل صنف في موضعه ، حتى شرعت في تنظيف الحجرة ، أثارت عن عمد الغبار فتطاير في الهواء ، أصاب عين " حمدان "
فتوقف عن المراقبة برهة ، أخرجت علي عجل من صدرها دسرها الحديدي وطعنت جرة العسل المسندة علي الجدار ثم أعادت آلتها إلي مكمنها الدافئ ، لمّا عادت عيونه للعمل بعد أن هدأ الغبار لم يلحظ طعنة " بلاص " العسل ، رفعته من موضعه ونظفت من تحته الأوساخ ثم أعادته أسفل الكوة بإحكام ، خرجت خاوية الوفاض
وعيون " حمدان " تتابعها كنمر يراقب فريسته 00
ما إن خرج الزوج مبكراً إلي جبانة البلدة حتى أسرعت " مسعدة " إلي الكوة بعد أن أحضرت سيقان القمح التي أخفتها بسطح الدار ، أوصلتها ببعضها كأنبوب أجوف ، أنزلتها برفق من الثقب التي أحدثته بغطاء جرة العسل ، مصت رشفات حلوة ، كان طعمها في فيها أحلي من شهد العسل ، لعقت شفتيها من لذة الانتصار ، لم تهدأ مشاعرها إلا بعد أن نضب المعين0جلست منتشية تنتظر " حمدان " اللعين
عاد الزوج كعادته كل خميس يحمل خيرات أهل الموتى ، فتح صومعته وأنزوي فيها كفأر ثمين ، داعب جرة العسل 00خاوية 00, صرخ منادياً علي "مسعدة " , لم تعره اهتماماً ، كرر النداء غاضباً ، ردت متكاسلة
: عايز إيه ؟
: أين اختفي العسل ؟
: عسل إيه ؟
: اللي كان في الجرة 00!!
: جرة إيه ؟ أنا معرفش 00 يمكن تكون شربته ولا سال منها 00
رفع الجرة إلي أعلا يبحث عن آثار العسل المراق 00 هاله ما رأي 00 بقايا سيقان قمح تتدلي من الغطاء
00 انتفخت أوداجه وبدت علي ملامحه مقدمات انفجار بركان الغضب , هجم عليها صارخاً
: بتضحكي عليَّ يا بنت الكلب
راوغته بتحدي وهربت من هجمته الشرسة إلي الأركان , أطلقت العنان لحنجرتها ، فانطلق صوت الاستغاثة كصفارات الإنذار ، أصابتها بعض الضربات العشوائية قبل أن يهرع أهل الموتى لنجدتها , استخلصوها من بين أنيابه خلصت نجيا , قبل أن ينصرفوا لحال سبيلهم رأوا نفحاتهم مكدسة في مستودع "حمدان "00
نامت ليلتها منشرحة الصدر علي الرغم من الم خدها لوارم , استيقظت قبل نجمة الفجر ، أيقظت الديك النائم علي ظهر الخزانة ، فصاح معلناً عن ميلاد يوم جديد
توجهت " مسعدة " إلي النهر مبكرة ، ما إن رأتها النسوة مقبلة حتى أفسحنا لها موضعاً بينهم , نزلت فيه عن طيب خاطر , قبل أن ترفع ذيل جلبابها , تذكرت أنها لم تحمل ما تغسله , أنستها نشوة الانتصار أن تحمل الأواني والأغراض , اكتفت هذه المرة بغسل القلب من همومه المتراكمة

ليست هناك تعليقات: